الجمعة 30 أكتوبر 2020

في الذكرى الأولى لوفاة السبسي: رفيق دربه محمد الناصر يكتب عنه..

المنبر التونسي(محمد الناصر) – تحيي تونس، يوم السبت المقبل الموافق لـ25 جويلية 2020 الذكرى الأولى لوفاة الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي، أول رئيس منتخب في تونس في اقتراع عام حر وشفاف.

ونشر السياسي التونسي محمد الناصر ورئيس مجلس نواب الشعب بين (2014-2019)، والرئيس المؤقت للجمهورية التونسية في (جويلية – أكتوبر 2019)،  مقالا في مجلة ليدرز، كشف من خلاله عن جوانب عن علاقته بالرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وعن شهادته في مسيرة الرئيس الراحل السياسية قل الثورة وبعدها.

 

مقال محمد الناصر:

غادرنا الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية إلى الرفيق الأعلى فجأة يوم 25 جويلية  2019 .. بدون سابق إنذار ! توفي لما كان يمسك بالمقود، يشُدُّ عليه حتى آخر يوم من أيام حياته، يسير على الدرب إلى النهاية في سعي دؤوب لأخذ الوطن إلى مرفئ النجاة وكان على شفا الهاوية. ظل متفانيا في خدمة تونس والتونسيين حتى آخر رمق من حياته. خدم تونس تحت حكم الرئيس الحبيب بورقيبة فأدْلَى بِدلْوِه في بناء الدولة الوطنية التي أريد لها أن تكون جمهورية وآخذة بأسباب العصر، وتولى إبان الجمهورية الأولى مسؤوليات جسام على رأس وزارات سيادية، واضطلع بها بكل مقدرة وكفاءة، وظل في تعلق قوي بالحريات وبالديمقراطية.

تولى الباجي قائد السبسي غداة الثورة وبنفس الحنكة قيادة الحكومة الانتقالية التي سهرت على استتباب النظام، وأعادت إلى الدولة هيبتها، وأمور البلاد إلى طبيعتها، وتولت بنجاح تنظيم اول انتخابات حرة وديمقراطية تجري في تونس.

وساهم شخصيا وعن كثب إبان الأزمة السياسية التي اندلعت جراء أخطاء الترويكا الحاكمة وسوء تصرفاتها في إنجاح الحوار الوطني الذي جَنَّب تونس شر الحرب الأهلية!

ولم يتردد الشعب التونسي على التعبير عن اعترافه له بالجميل لدوره الشخصي والناجع في حماية تونس من الأخطار التي كانت تُداهمها وتُهدد ما تمّ لها من نجاحات وما تحقق لها من استقرار، فأولاه ثقته إبان انتخابات 2014 حينما انتخبه رئيسا للجمهورية.

وظل الباجي قائد السيسي طوال مدة رئاسته مخلصا لمشروعه السياسي، ملتزما بتحقيق ما كانت تصبو إليه البلاد من نجاحات وطموحات، ولطالما كان يُردِّد تلك العبارة المأثورة : ” الوطن قبل الأحزاب “. لكن أولئك الذين نالوا ثقته وكان يُعَوِّل عليهم تقاعسوا عن خدمته أو هم أداروا له ظهر المجن.

وفي السنة الأخيرة من وجوده على رأس الدولة فسدت علاقة قائد السبسي ببعض أعضاده على رغم أن جلهم يدينون له بارتقائهم الى أسمى الوظائف والرتب الوظيفية.

كنت قريبا منه منذ زمن بعيد، وأتيح لي كثير من الفرص جعلتني ألتقيه على انفراد في كثير من الأحيان، وكنا نتطرق إلى بعض هذه الأحداث! هي مناسبات هامة أسعدتني كثيرا وظلت ذكراها مرسومة في ذهني . كان في كل مرة يستقبلني وُقوفا في القاعة الشرفية بصفتي رئيسا للبرلمان، ببدلته صافية الزرقة، ورابطة عنقه المستوية، وابتسامته البشوشة.

ما إن يغادر المصورون والصحفيون المكان حتى يتجرد حديثنا عن كل تكلف ويأخذ مجراه الأخوي والشخصي المعتاد.

كان الباجي قائد السبسي يميل بشكل طبيعي إلى الإنصات، يطرح السؤال تلو السؤال، ولا يتأخر عن إبداء الرأي المناسب معلقا أو معقبا أحيانا، ومذكرا بالمناسبة ببعض أحداث الماضي أحيانا أخرى! وكثيرا ما كان يستحضر بعض المُلَح ومستظرفات الخواطر في سياق الحديث عن بورقيبة وعن عمله إلى جانبه، لكنه يتجنب الدخول في التفاصيل المتصلة بعلاقاته بصانعي السياسة في ذلك الوقت.

لقد ظل رجل دولة، ورجل سياسة لبيب، يعرف من أين تؤكل الكتف، يُدين تلميحا لا جهرا  وبدون ذكر أسماء من يشاء إدانتهم.. دأبه أن يتذرع بالكتمان والتحفظ ، وقليلا ما  يبوح بسِرّ أو يظهر علنا ما يدور بذهنه من خواطر وأحاسيس.

لقد عرفته عن كثب، وتوثقت صلتي به حتى خبِرْت ما يختلج في نفسه من ألم وعذاب. كان يتألم في صمت ويواجه إكراهات الحكم وحيدا..

صار بنا الحديث ذات يوم إلى ما تخلل إحدى جلسات مجلس نواب الشعب من بعض الأمور المثيرة وقد تابعها عن طريق النقل التلفزي ، وكنت حينها في بداية عهدي برئاسة المجلس.. وحينما كنا بصدد مغادرة قاعة الاجتماع سويا بعد أن فرغنا من الحديث استوقفني مشيرا علي بكل لطف بأن أكون رؤوفا بحالتي الصحية، وأن أتوخى الحذر كل الحذر لتجنب كل ما قد يعكرها، فأجبته على الفور بأن أشرت إلى بَيْتٍ من قصيد للشاعر الفرنسي ألفريد دوفينيي بعنوان ” موت الذئب ” : ” لا تتوانى قط  في القيام بعملك المضني الثقيل حتى آخر لحظات حياتك ، لا تخجل من حالك واسلك السبيل الذي رسمه لك القدر”. فأجابني على الفور بأن أتى على ذِكْر بيت آخر من نفس القصيدة  : ” ثم ذُقِ مرارة العذاب مثلما أذوق، ومُت في صمت..” … لحظة لن أنساها أبدا.
أود اليوم ونحن نتأهب لإحياء الذكرى الأولى لرحيل الباجي قائد السبسي أن أُحيِّي ذاكرة صديق عزيز عليّ ورفيق درب كان رئيسا جليلا، ترك بصمات لا تمحي في الذاكرة التونسية وفي تاريخ تونس.

في هذه اللحظة التي استذكر فيها روح الفقيد، لا يسعني إلا أن أستحضر بيتين آخرين من قصيدة ألفريد دوفينيي: ” لدي رؤية ما يصير إليه الخلق على الأرض، وما يتركونه، واعلم أن الصمت وحده عظيم، وأن كل شيء غيره  مجرد ضعف وهراء.. ” .

رحم الله الباجي قائد السبسي وتغمده بواسع رحمته.

0 Reviews

Write a Review

شاهد أيضاً

تونس تُدين حادثة نيس الإرهابيّة..

عبّرت تونس عن استنكارها الشديد للحادثة الإرهابية التي جدّت، صباح اليوم الخميس، في مدينة نيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *